لماذا لا يتوارون خجلاً؟
كتبهافوزي ، في 27 سبتمبر 2007 الساعة: 23:17 م
لماذا لا يتوارون خجلاً؟
ابتلي العالم العربي في السنوات القليلة الماضية بثلة من الكتاب والصحفيين
والمتفذلكين الذين سهلت لهم شبكة الانترنت المنفلتة من عقالها وبعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية تفريغ أحقادهم على ما كل هو عربي وإسلامي وممارسة نوع من الإرهاب والتعهير الفكري المفضوح، فراحوا يسخرون من التاريخ العربي القديم منه والحديث وينثرون خطاباً ممجوجاً لا يتفوه به حتى عتاة الأعداء، إلى حد أن كتاب صحف معاريف وهآرتز وأيديعوت أحرنوت الإسرائيلية يبدون متحفظين ورصينين ومتوازنين ومتعاطفين مع القضايا العربية مقارنة بهذا الرهط الجديد من المتلبرليين العرب الخارجين على السرب. إنهم باختصار الغربان الجدد مروجو ثقافة الهزيمة وجلادو الذات الذين لا هم لهم إلا النعيق واللطم والعويل المنظم وتحبيط الشعوب وبث روح اليأس والقنوط في النفوس ومحاربة أي خطاب انتصاري وتصوير أي إنجاز عربي أياً كان نوعه على أنه مجرد لعب عيال، كما لو أن العرب لا يقدرون إلا على تحقيق الهزائم والنكسات. وكلما حاول بعض الوطنيين العرب استنهاض روح الأمة تصدوا له على الفور بوابل من المقالات المسمومة وسخروا منه بطريقة مقززة ونعتوا كلامه بأنه خشبي يعود إلى الستينيات أو ديناصوري أو مستحاثي وشبهوه بالإعلامي المصري الشهير أحمد سعيد على اعتبار أن سعيد كان يذيع بيانات بطولية، بينما كان الوضع على الأرض خلال حرب سبعة وستين مأساوياً من حيث تقهقر القوات العربية أمام القوات الإسرائيلية. ولا أدري لماذا يصورون لنا فترة الستينيات من القرن الماضي كما لو كانت رجساً من عمل الشيطان، مع العلم أنها كانت فترة نهوض عربي كبير بالمقارنة مع الآن بالرغم من النكسة. وليس صحيحاً أبداً أن كل ما يفعله العرب يدخل في خانة العنتريات الجوفاء والانجازات الوهمية كما يحلو للجوقة الجديدة تصويره. فمعظم الأمم تعرضت للهزيمة ثم نهضت كطائر العنقاء من تحت الرماد ولو بعد حين.
من السخف الشديد تطبيق حالة أحمد سعيد على الوضع العربي عموماً. فهذه محاولة دنيئة لتثبيط الهمم وتكريس الروح الانهزامية إلى ما شاء الله ورفع معنويات الأعداء، خاصة أن أهم إنجاز يمكن أن يحققه أي طرفين متصارعين ضد بعضهما البعض حسب فنون الحرب النفسية الجديدة هو الشعور بأنه لا يمكن أن تقوم لك قائمة وأن الهزيمة التي لحقت بك شبه أبدية. وهذا أمر في غاية الخطورة. وقد ساهمت في تكريسه بعض الأقلام العربية وما زالت غير مدركة مدى أبعاد فعلتها الشيطانية الممقوتة. لقد غدا كل من يتفوه بقليل من الحماس أو التفاؤل أو يتباهى ببعض الانتصارات البسيطة إما أحمد سعيداً جديداً أو عنترياً مختلاً عقلياً في نظر الليبراليين العرب الجدد. وبات مطلوباً من الجميع أن يمشي الحيط الحيط ويقول يا ربي السترة كما لو أنه مكتوب علينا أن نبقى مهزومين ومتخلفين إلى أبد الآبدين.
واللافت في هذا الخطاب التحبيطي الجديد أنه تدميري بامتياز، فهو لا ينتقد من أجل النهوض والتقدم، وهو أمر مطلوب جداً على اعتبار أن النقد هو ملح الحضارة، بل من أجل التيئيس والتثبيط والتنويم. لقد تعلمنا في المدارس أن أي جهد بسيط يقوم به التلميذ يجب أن يُشجع لا أن يُذم لأن للتشجيع تأثيراً كبيراً على تقدم التلاميذ وتفوقهم. لكن الجوقة الجديدة امتهنت الذم فقط عمـّال على بطـّال. وفي كثير من الأحيان يأخذ المرء انطباعاً بأن مروجي هذه الثقافة البائسة موظفون لدى الأعداء ويقومون بمهمة الطابور الخامس بامتياز، خاصة أنهم يخاطبون أبناء جلدتهم باللغة العربية وليس بالعبرية أو الانجليزية. إنه كما وصفهم البعض إعلام عربي ناطق بالعربية لا أكثر ولا أقل. أما أفئدتهم وميولهم وأهواؤهم فهي دون أدنى شك ليست عربية. إنها في مكان آخر تماماً.
ألا يحق لنا بربكم أن نتباهى بانتصارنا الإعلامي في السنوات العشر الماضية؟ لقد حاولت في منتدى الجزيرة الإعلامي الثاني أن أشير إلى الإنجازات التي حققها الإعلام العربي مثلاً في الأعوام الأخيرة على مستوى توحيد الشارع العربي على الأقل ثقافياً ووجدانياً وأشرت إلى أن العوربة تفوقت على العولمة في منطقتنا على الأقل، بدليل أن الفضائيات العربية اكتسحت الساحة وأن الأمريكيين بدأوا يخشون على صورتهم في العالم العربي وراحوا يهاجمون الإعلام العربي ويرصدون ميزانيات كبيرة لتحسينها كما أخذوا يتنافسون مع بعض وسائل الإعلام العربية على قلوب وعقول الشعب العربي بالرغم من خطورة وسائل إعلامهم العولمية الرهيبة، لا بل إن الرئيس الأمريكي أطلق مبادرة للأمن القومي تقضي بتعليم اللغة العربية للأطفال الأمريكيين من الآن فصاعداً كمؤشر على فشل وسائل الإعلام الأمريكية في اختراق الساحة العربية. ويكفي أن هناك شعاراً الآن يتناوله الإعلاميون الغربيون أنفسهم يقول: العالم يشاهد CNN لكن CNN تشاهد الجزيرة.
وإذا كان أعداء الخطاب الانتصاري يعتقدون أن هناك نوعاً من الأحمد سعيدية أو التخريف والهذيان والاعتداد الزائف بالنفس فيما ذكرته أود فقط أن أذكرهم بأن قناة الجزيرة مثلاً حصلت في استفتاء غربي وليس عربي على خامس أشهر وأفضل ماركة تجارية في العالم وعلى لقب أشهر ماركة إعلامية. بعبارة أخرى فإن قناة الجزيرة غدت القناة التلفزيونية الأهم عالمياً وليس عربياً بشهادة الأوربيين والأمريكيين أنفسهم. وعندما ذكرت هذا الكلام في محاضرتي في المنتدى المذكور تنطع أحد المتلبرلين المغاربة وشن هجوماً كاسحاً على ما أسماه بخطابي الانتصاري. وأضاف أن ما قلته مجرد انتصار أجوف وزائف. لاحظوا التبجح والصلف والادعاء في خطاب هؤلاء التيئيسيين المحبطين المنبوذين. إنهم لا يتورعون عن لي ذراع الحقيقة وتطويعها كي تتماشى مع خطابهم التحبيطي والتثبيطي. إنهم من يهول الأمور فعلاً ويقلبون الحقائق رأساً على عقب. بعبارة أخرى إنهم يكذبون ويصورون الأشياء بغير ما هي عليه كي يبقى الشارع محبطاً ويائساً وغير قادر على القيام بأي مبادرة خلاقة. فإذا كان أحمد سعيد قد تطرف في انتصارياته كما يزعمون فهؤلاء المتلبرلون يتمادون في بكائياتهم الممنهجة والمبرمجة كما لو أن الواقعية تعني في قاموسهم وخطابهم أن تقول عن أي نجاح عربي إنه رسوب من نوع آخر أو أن اللون الأبيض في العالم العربي أسود حتى إشعار آخر.
لا اعتبر نفسي أصولياً ولا إسلاموياً كما يحلو لليبراليين الجدد تسمية الحركيين الإسلاميين، لكني استطيع أن أوكد أن أكبر دليل على هزيمة هذا التيار الليبرالي التحبيطي في الشارعين العربي والإسلامي هو فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة ومن قبلها صعود تيار الإخوان في مصر. قد نختلف مع هذه التيارات كثيراً لكننا لا نستطيع إلا أن نسلم باكتساحها الساحة في حال إجراء انتخابات حقيقية شئنا أم أبينا واندحار التيار المسمى ليبرالياً زوراً وبهتاناً. لقد جاء فوز الإسلاميين ليفضح الخطاب الليبرالي التسخيفي ويعزله تماماً. فقد صدع الليبراليون في الماضي رؤوسنا وهم يتحدثون عن أن الحركات الإسلامية ليست أكثر من ثلة من الإرهابيين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم فإذا بها تمثل السواد الأعظم من الشارع.
لقد انفضح الخطاب الليبرالي شر انفضاح أيضاً بعد الفشل الديمقراطي الكارثي في العراق الذي طبلوا وزمروا لديمقراطيته القادمة على ظهور الدبابات فإذا بالبلاد تعود إلى ما قبل عصر الدولة الوطنية حيث تحولت بلاد الرافدين إلى كهنوتات وملل ونحل متناحرة. ولو كنت محل هؤلاء لتوقفت عن الكتابة والثرثرة الانترنتية احتراماً للنفس والقراء وتواريت خجلاً. أليسوا هم الذين كانوا ومازالوا يعيروننا بأن السياسي أو الصحفي الغربي الذي يحترم نفسه يستقيل إذا اكتشف الناس كذبه ونفاقه وخداعه؟
بقلم :فيصل القاسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























سبتمبر 28th, 2007 at 28 سبتمبر 2007 12:46 ص
بارك الله فيك يا ياسر على هذا المقال الجامع والمانع … من حقنا كعرب ان نفخر بما تحقق على مستوى الاعلامي …خاصة القنوات كالجزيرة وغيرها ثم هناك الجرائد المناضلة..ما ينقص هو هامش محترم من الحرية تمنح للاعلاميين حتى يتمكنوا من المزيد من البحث واظهار مكامن الفساد…اما ذوي العقول المتحجرة فسيبقون دائما حتى وان تححقت كل امنيات الوطن العربي…فلله في خلقه شؤون…
سبتمبر 28th, 2007 at 28 سبتمبر 2007 2:09 ص
شكرا على زيارتك اخت المغربية
ان حاجتنا الى الحرية لا تقل عن حاجتنا للخبز في اغلب اوطاننا العربية
………اما اولائك الاندال الدين احسن لهم الوصف فيصل القاسم …..
فليسوا سوى ابواقا للغرب
سبتمبر 29th, 2007 at 29 سبتمبر 2007 11:13 م
بدر بدرٌ في سماء الإسلامْ ، ولولا انتصار تلك الثلة من صحابة النبي الهمامْ ، في هذه الغزوة التي مرت عليها القرون والأعوامْ ، لما عرفنا ماذا تعني حروف التوحيدْ ، ولما أدركنا ماذا يعني القرآن المجيدْ ، ولكن ما السر في انتصار الأقلية وهزيمة الأكثريهْ ، وما السبيل لجعل دروس غزوة بدر التاريخيهْ ، شعارا لنا في الحياة اليوميهْ ، وكيف يمكن لنا أن نجعل من عظاتها الزكيهْ ، سببا في التخلص من قبضة الرجعية والتبعيهْ ، ؟؟؟
هذا ما أحاول منا قشته في إدراجي الجديد و بالمناسبة أدعوكم لإثراء النقاش حول هذا الموضوع
تحيتي ومودتي
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 2:21 م
السلام عليكم
شكرا أخي ياسر على نقل المقال المتميز خاصة وأنا من متتبعي منتدى الجزيرة..
أود القول أنه في بلدنا المغرب الحبيب ما زال الليبيراليون يصولون في الإعلام وفي المؤسسات الثقافية.. إلا أنهم مؤخرا بدؤا يشعروا بالغربة.. بل يحاولون التستر وراء شعارات إسلامية لاستمالة قلوب الشعب المغربي..
وأقول كذلك أنه يمكن للليبيراليين الحكم ونشر فلسفتهم وسياساتهم على الشعب ..بشرط واحد ……ألا وهو استراد شعب من المريخ اما الشعوب الإسلامية رغم أنها استخفت من طرف حكامها إلا أنها جد ذكية…
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 11:29 م
السلام عليكم ورحمة الله
شكرا اخ هادي على تواصلك
اصبت في قولك حين قلت
وأقول كذلك أنه يمكن للليبيراليين الحكم ونشر فلسفتهم وسياساتهم على الشعب ..بشرط واحد ……ألا وهو استراد شعب من المريخ اما الشعوب الإسلامية رغم أنها استخفت من طرف حكامها إلا أنها جد ذكية
تحياتي اليك
أكتوبر 2nd, 2007 at 2 أكتوبر 2007 10:11 م
السلام عليكم ورحمة الله
بارك الله فيك أخي الفاضل على هذا الإدراج
مزيدا من العطاء
تقديري وإحترامي
أكتوبر 3rd, 2007 at 3 أكتوبر 2007 12:00 ص
السلام عليكم
شكرا على مرورك اخي عبد العزيز
أكتوبر 4th, 2007 at 4 أكتوبر 2007 8:14 ص
اخي ياسر .. شكراً لمرورك وتعليقك ..
واخبرك بأني عاصرت النكبة والنكسة ومعايش لواقعنا المعاصر ..
وخرجت بنتيجة أيضاً .. أننا ذلك العالم العربي من محيطه إلى خليجه إذا كان لا يحكمه الإسلام فهو يساوي \ صفر … في ميزان الله أولاً .. وفي ميزان الأمم ثانياً ..!!
لماذا … : لأن الإسلام الذي به انتصر اسلافنا .. ليس هو إسلام الشبعة.. ولا إسلام حكامنـــــــــــا ..
لذلك أقـــــــول أنـــه …
بعد أن طال ليل غربة ألأمة عن هويتها وملت كثرة الوعود ممن خدعها وكان يمينها بالنصر والعزة والتقدم ، من العلمانيين منذ هـدمت الخلافة ألإسلامية على يـد أتاتورك في مطلع القرن التاسع عشر ومن سار على دربه ومنهجه في وطننا العربي واتبع مناهج الغرب للنهوض بالأمة بزعمهم..!! وكانت النتيجة ما نحن عليه من أحوال بعد قرن من الزمان لا تسر الصديق ولا تغيظ العدو ؟! ومن طول مـدة تغريب ألأمة عن هويتها ( أًصابها داء ضمــور الذات والهوية في نفسها ) فلم تعـد تـدري لمن هي تنتمي ولم يعد لها وزن لا في ميزان .. الله .. ولا في ميزان ألأمــم بعـد أن إبتعدت عن منهج الله في منهج حياتها واتبعت مناهج الغرب التي أوصلتنا إلا ما نحن فيـه من ضياع وتيـه ؟! فهل لهذا التيه والغربـة عن الهوية والأصالة من ولي أمر يجعل همـه إعادة ألأمة إلى هويتها من خلال خطـة مدروسة جادة طويلة الأجل تشمل مناهج التعليم وما ينشر أو يبث في أجهزة ألإعلام ألمقروءة والمسموعة والمرئية ، تتوافق مع المنهج والهوية ألإسلامية يرضى عنها الله ورسوله وصالح المؤمنين ، تصلح ما أفسده دعاة الحرية والتغريب الذي لم تجني منهم ولا من خطة التغريب التي فرضوها علينا سوى الفشل وزيادة التبعية لمن أرادوا تحريرنا منهم ..!!!
أكتوبر 5th, 2007 at 5 أكتوبر 2007 9:44 م
السلام عليكم
شكرا اخي ابو عويصة
على مرورك وعلى تعليقلك
حقا لقد طال تيه هده الامة فلا هي على ماأمرها ربنا ولا هي في الجهة الاخرى
ليتها تكون شئ على الاقل تحدد مسار معين كي تعمل لتحقيقة
اننا الان نعيش قصة الغراب الدي لاراد تقيلد مشية الحمام …
أكتوبر 12th, 2007 at 12 أكتوبر 2007 2:17 ص
استاذ ياسر …
اتقدم اليك بمناسبة عيد الفطر المجيد باحر المتمنيات والتبريك راجية من العلي القدير ان يعيده عليك وانت في اعلى الدرجات وكل عام وانت بالف خير….
أكتوبر 19th, 2007 at 19 أكتوبر 2007 10:42 ص
وعيدك سعيد اختي المغربية
تقبل الله منا ومنك